صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
68
تفسير القرآن الكريم
بالكلية ، وكما أن معادن النفوس مختلفة لقوله صلى اللّه عليه وآله « 1 » : « الناس معادن كمعادن الذهب والفضة » فكذلك غايات قصودهم ومراكز حركاتهم ونهايات أسفارهم كما أشير إليه في قوله تعالى : قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ [ 2 / 60 ] . فالنفوس التي لا يكون بينها وبين الحق الأول واسطة ينجذب إلى جنابه طبعا ، كما ينجذب إبرة من حديد إلى مغناطيس غير متناهي القوة ، وهذه النفوس هي العارفة باللّه وصفاته وأفعاله وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وأما النفوس الصادرة عنه بواسطة الوسائط الفلكية أو النفسية أو العقلية أو البرازخ الجسمانية الجنانية أو الجهنمية ، فيقع لهم الانجذاب إلى معادنهم الأصلية لحكمة قضائية وقدرية ، وإليه أشار الشيخ عبد اللّه الأنصاري في قوله : « إلهي تلطّفت لأوليائك فعرفوك ، ولو تلطفت لأعدائك لما جحدوك » . فالنفوس التي لم يكن بينها وبين الأول حجاب من عقل أو نفس أو دنيا أو آخرة ، فهم الذين يكونون في الصفّ الأول في القرب والعرفان بالوحي أو الإلهام أو المشاهدة ، لقوله تعالى : وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ [ 56 / 10 ] وأما النفوس التي بينها وبينه حجاب وواسطة ، فإما أن يعرفوها من وراء حجاب أو حجب كالرسالة والإمامة ، لقوله تعالى : ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا [ 42 / 51 ] فكل من هؤلاء له مرتبة معيّنة من الجنان ، ودرجة خاصة من مثوباتهم عن الرحمان ، وإما أن يجحدوا لقاء اللّه تعالى والدار الآخرة فلا محالة ليست درجتهم فوق أن يصلوا إلى أدنى المنازل وأسفل السوافل ، وهي الجحيم التي هي حقيقة هذه الدنيا الفانية ، وصورة الطبيعة التي هي الحطمة الكبرى وستصير متطلعة على الأفئدة ، لقوله تعالى : نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ [ 104 / 7 ] وستظهر صورتها الحقيقية منكشفة على من خرج من غبار هذا العالم ، كصورة الجنان لمستأهليها ، لقوله :
--> ( 1 ) المسند : من حديث أبي هريرة : 2 / 539 .